السيد الطباطبائي ( تعريب : جواد علي كسار )

53

مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي

دون استثمار الوسائل المادية التي وضعها نظام الخلق ( الوجود ) بين يديه ، ومن دون ان ينغمر في محيط الحياة الاجتماعية ؟ لقد جعل الاسلام من محيط الحياة المادية للانسان - التي هي في حقيقتها حياة اجتماعية - أرضية لتعليمه وتربيته . ثم شرّع له - بما ينسجم مع ما تهدي إليه فطرته الانسانية وخصوصيته الوجودية - مجموعة واسعة من الضوابط والاحكام التي تتناسب مع اعماله الفردية والاجتماعية ، والكلية ( العامة ) والتفصيلية ، كي تكون برنامجا شاملا لتربيته وكماله . فمن هذه الضوابط والأنظمة هناك ما يختص بتنظيم صلة العبودية بين الانسان وربّه ، فهو الفقير المحتاج امام الغني المطلق ؛ الجاهل امام العالم ؛ العاجز امام القادر ؛ المسلّم لإرادة اللّه ومشيئته . ثم شرّع له اجتماعات عبادية ، منها اجتماع الصلوات اليومية ، وصلاة العيدين ، وثمة اجتماع أكبر ماثلا في صلاة الجمعة ، وثمة ما هو أكبر منه ماثلا في تجمّع الحج . وثمة من الأنظمة والاحكام ما يحدّد مسؤوليات الناس إزاء المجتمع وإزاء بعضهم البعض . وقد أخذت هذه الأنظمة بنظر الاعتبار تنمية حسّ المسؤولية لدى الانسان امام خالقه الذي عليه ان يسلّم لإرادته ( وذلك مقتضى ما عليه خلقه ) . بمعنى انّ جميع اعمال الانسان وفعالياته ينبغي ان تتحرك في اطار الأصول الثلاثة : التوحيد ، النبوة ، والمعاد . يقول تعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ « 1 » .

--> ( 1 ) آل عمران : 64